في كل صباح، تجد ملايين الأسر في فرنسا نفسها أمام خيار لا خيار فيه: أن تملأ خزان السيارة لتذهب إلى العمل، أو أن تخفّض التدفئة لتوفير بضع يوروات. هذا الصراع اليومي بين «الطاقة» و«الاستهلاك المعتاد» لم يعد مسألة رفاهية، بل أصبح علامة على أزمة اجتماعية بنيوية.
أولاً: الطاقة تلتهم الميزانية
تُصنَّف الأسرة في وضع «هشاشة طاقية» (précarité énergétique) عندما تتجاوز نفقات الطاقة في مسكنها 8% من دخلها المتاح، وهي في الوقت نفسه من بين أفقر 30% من الأسر. في سنة 2023، بلغ عدد هذه الأسر نحو 3,1 مليون أسرة، أي 10,1% من مجموع الأسر، وهو ما يعادل أكثر من 10,8 مليون شخص. وهذه الأرقام تخصّ طاقة السكن وحدها.
لكن العبء يتضخّم أكثر بكثير عندما نضيف وقود التنقّل. فبالنسبة للأسر التي تعيش تحت خط الفقر، تلتهم التنقّلات ما يقارب 25% من ميزانيتها، مقابل 10% فقط لدى الأسر الميسورة. وصار 17 مليون فرنسي في وضع «هشاشة تنقّل»، أي 31% من السكان الراشدين، مقابل 15 مليوناً في 2024. وبجمع طاقة السكن مع وقود السيارة، يتجاوز العبء الطاقي عند أكثر الأسر تواضعاً 15% من الدخل، وهو الحدّ الذي يحوّل الطاقة من بند عادي في الميزانية إلى قرار مؤلم: تدفئة أقل، وجبات أرخص، تنقّلات مقتصدة.
ثانياً: كيف يتكوّن سعر لتر الديزل؟
لفهم اللعبة، لا بدّ من تفكيك اللتر. وحسب بيانات أواخر غشت (أوت) 2026، كان سعر لتر الديزل 2,231 يورو موزّعاً كالتالي:
المكوّن المبلغ باليورو النسبة
الوقود قبل الضريبة (النفط الخام + التكرير + النقل والتوزيع) 1,252 56,1%
الضريبة الداخلية على الطاقة (TICPE / accise) 0,607 27,2%
ضريبة القيمة المضافة (TVA 20%) 0,372 16,7%
مجموع الضرائب 0,979 43,9%
فالمنتج يخرج من مصفاة التكرير ويُباع على الأسواق الدولية بالدولار، ثم تُضاف كلفة النقل والتوزيع وهامش صاحب المحطة (نحو 27 سنتيماً للتر حسب تقديرات أبريل 2026). بعد ذلك تأتي الضريبة الثابتة (TICPE)، ثم تُطبَّق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 20% على المجموع، بما في ذلك الضريبة نفسها. وهنا بيت الداء.
ثالثاً: القانون الأوروبي يسمح بالخفض… والدولة تعرف ذلك
النقطة الجوهرية التي تُغفَل كثيراً: التوجيه الأوروبي 2003/96/CE لا يفرض سقفاً للضرائب، بل يفرض حدّاً أدنى فقط. هذا الحدّ هو 330 يورو لكل ألف لتر من الديزل، أي 33 سنتيماً للتر، و359 يورو لكل ألف لتر من البنزين، أي 35,9 سنتيماً.
في المقابل، يبلغ معدّل الضريبة على الديزل في فرنسا 59,40 سنتيماً للتر خارج الزيادات الجهوية. أي أنّ أمام الدولة هامشاً قانونياً يبلغ نحو 26 سنتيماً للتر يمكنها خفضه فوراً، دون أي إذن من بروكسل ودون تغيير أي قانون أوروبي. ولو خُفِّضت الضريبة إلى الحدّ الأدنى، لكان مردود ذلك انخفاض يقدّر بنحو 8 مليارات يورو من العائدات. وهنا تحديداً تكمن المفارقة: الدولة تستطيع قانوناً، لكنها تختار سياسياً ألّا تفعل.
رابعاً: «الضريبة على الضريبة»
هناك خرق ثانٍ أبسط: تُطبّق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 20% على مبلغ الـTICPE نفسه، فتتحوّل الضريبة إلى ضريبة على ضريبة. تقارب هذه العمليّة، حسب تقديرات معهد IFRAP، 4,5 مليار يورو سنوياً، أي نحو 12 سنتيماً على كل لتر ديزل. وقد أشار مجلس الشيوخ الفرنسي منذ 2018 إلى أنّ ضريبة القيمة المضافة على الـTICPE تكلّف وحده نحو 0,12 يورو للتر من الديزل.
والفرق القانوني مهمّ: خفض نسبة ضريبة القيمة المضافة على الوقود يستلزم إجماعاً غير واقعي في مجلس الاتحاد الأوروبي، أمّا إلغاء ضريبة القيمة المضافة على الـTICPE فيمكن إقراره وطنياً. لذلك يقول منتقدو السياسة الضريبية إنّ الدولة قادرة على التحرّك، لكنها لا تريد.
خامساً: لكن هل «تثري» الدولة فعلاً؟
هنا يجب الإنصاف والحذر. العائدات العمومية على الوقود بلغت 16,3 مليار يورو صافية في 2025 (18,0 مليار إجمالاً ناقص 1,7 مليار ردّيات). لكن منطق الأشياء أكثر تعقيداً: عندما يرتفع السعر، يستفيد الـTVA آلياً، لكن الاستهلاك يتراجع فيقلّ عائد الضريبة الثابتة. وبين مارس وشتنبر 2026، ارتفع عائد الـTVA بنحو 710 مليون يورو، لكن عائد الضريبة الثابتة انخفض بـ1,117 مليار يورو، أي خسارة صافية تقارب 407 ملايين يورو، إضافة إلى نحو 1,4 مليار يورو من المساعدات الممنوحة.
فالدولة لا «تربح» بالمعنى القصير، لكنها تحتفظ بضريبة قاعدتها ثابتة ومضمونة بأكثر من 16 مليار يورو سنوياً — وهذه بالتحديد هي المسألة: من يتحمّل كلفة الانتقال الطاقي، ومن يدفع الفاتورة اليوم.
سادساً: ماذا تفعل الدول الأخرى؟
في فرنسا تشكّل الضرائب نحو 53% من سعر الوقود، مقابل 35% في إسبانيا. وقد خفّضت ألمانيا ضرائب الوقود بما يصل إلى 17 سنتيماً للتر منذ 13 أبريل 2026، بينما رفعت فرنسا بدورها مساعدة 100 يورو لـ«أصحاب المسافات الطويلة» إلى نهاية 2026، في إطار حزمة تقدّر بـ450 مليون يورو. الفرق ليس في القدرة، بل في الاختيار.
خاتمة
المفارقة الفرنسية واضحة: القانون الأوروبي يترك هامشاً، الخزانة تحتاج الضريبة، والأسرة المتواضعة تدفع في المنتصف. وخفض السعر 26 سنتيماً للتر ممكن قانوناً وغداً صباحاً؛ لكنه يكلّف 8 مليارات يورو. لذا فالسؤال الحقيقي ليس تقنياً، بل سؤال توزيع: هل تبقى الطاقة المصدر الأول لعائدات الدولة، أم تصبح حقاً اجتماعياً؟
المصادر
1. Connaissance des Énergies — تعريف سعر اللتر وتفكيكه
2. FIPECO — الضرائب على الوقود
3. المفوضية الأوروبية (Access2Markets) — المستويات الدنيا للضرائب غير المباشرة
4. IFRAP — إعادة 4,5 مليار يورو من الضرائب للفرنسيين
5. مجلس الشيوخ الفرنسي — إلغاء ضريبة القيمة المضافة على الـTICPE
6. ONPE — لوحة متابعة الهشاشة الطاقية 2025
7. BFM TV — العائدات الصافية والدعم العمومي
8. Ouest-France — استعمال ضريبة القيمة المضافة في التفكيك
9. Service-Public — مساعدة 100 يورو لأصحاب المسافات الطويلة