عندما ننظر إلى تجربة سنغافورة، لا ينبغي أن نراها فقط قصة نجاح اقتصادي سريع، بل قصة دولة صغيرة بدأت من واقع شديد الصعوبة، ثم قررت أن تجعل من الإنسان رأس مالها الأول. فقد كانت سنغافورة في بداياتها الحديثة قرية صيد صغيرة، ثم تحولت تدريجياً إلى مركز تجاري واستراتيجي مهم، قبل أن تبدأ مرحلة بناء الدولة الحديثة بعد الاستقلال. هذه التجربة تهمّ سوريا اليوم، لا لأن الحالتين متطابقتان، بل لأن كليهما واجه سؤالاً تاريخياً واحداً: كيف يمكن للدولة أن تنهض من الضعف، وتبني المستقبل في ظل ندرة الموارد والضغط الداخلي والخارجي؟
في حالة سنغافورة، كان الرهان الأساسي هو الاستقرار أولاً، ثم التعليم، ثم جذب الاستثمار، ثم رفع مستوى المعيشة، ثم ضمان الأمن. وتوضح مصادر عن فترة حكم لي كوان يو أن هذه العناصر كانت في صلب مشروع بناء الدولة، وأن التعليم لم يكن مجرد خدمة اجتماعية، بل أداة استراتيجية طويلة المدى لتكوين مجتمع قادر على الإنتاج والابتكار والانضباط. كما أن تقارير عن السياسة الاقتصادية السنغافورية تبرز أن الاستثمار في التعليم والبحث والتطوير كان ركناً مركزياً في تحوّل البلاد إلى اقتصاد عالي الدخل. والمعنى هنا واضح: الدولة التي لا تملك الثروات الطبيعية يمكنها أن تصنع ثروتها من العقول.
هذا الدرس بالغ الأهمية لسوريا. فحين تكون الموارد الطبيعية محدودة أو مدمرة بفعل الحرب، تصبح الثروة البشرية هي المورد الأكثر قابلية للبناء. وفي السياق السوري، تشير الأمم المتحدة إلى أن الانتقال السياسي ما زال هشّاً، وأن الطريق إلى الاستقرار يتطلب انتقالاً سلمياً وشفافاً وشاملاً، مع تمثيل مختلف مكوّنات المجتمع، واحترام أسس العملية السياسية المنصوص عليها في روح القرار 2254. كما شددت بيانات أممية على أن الوضع الإنساني في سوريا لا يزال صعباً للغاية، وأن التقدم السياسي لن يكون مستداماً من دون إصلاحات واقعية، ومؤسسات أكثر شمولاً، وثقة عامة أكبر.
ما الذي يهمنا هنا من تجربة سنغافورة؟ أولاً، أن القيادة السياسية حين تكون واعية، يمكنها أن تبدأ بنفسها قبل أن تطلب من الشعب التغيير. لم يكن مشروع سنغافورة مجرد خطاب، بل سلسلة من القرارات العملية: بناء إدارة فعالة، فرض الانضباط، اختيار التعليم كأولوية وطنية، وربط التدريب باحتياجات الاقتصاد. هذا النوع من “التضحية” لا يعني بالضرورة تضحية شخصية رمزية فقط، بل يعني أيضاً أن الدولة تؤجل بعض الوعود السهلة لصالح استثمارات بطيئة المردود، لكنها هي التي تصنع المستقبل.
ثانياً، أن التعليم في التجربة السنغافورية لم يكن مدرسة فقط، بل سياسة دولة. فالمقصود ليس فتح أبواب المدارس على نطاق واسع فحسب، بل بناء منظومة تُنتج مهارات قابلة للتوظيف والتطوير. وقد أظهرت مصادر عن التنمية البشرية في سنغافورة أن البلاد ركزت على تنمية رأس المال البشري وعلى مواءمة التعليم مع حاجات الاقتصاد. وهذا مهم جداً لسوريا، لأن أي انتقال ناجح لا يمكن أن يعتمد على إدارة الأزمة فقط؛ بل يحتاج إلى تجديد جيل كامل من المهارات منذ الطفولة، بحيث يصبح التعلم المبكر استثماراً وطنياً طويل الأمد، لا مجرد خدمة اجتماعية تقليدية.
أما ثالثاً، فهناك عنصر الشفافية. في الحالات الانتقالية، لا يكفي أن تعلن الحكومة عن نواياها، بل يجب أن تُفهم قراراتها وأن تكون قابلة للمساءلة. وقد دعت أطراف دولية ومصادر مرتبطة بالأمم المتحدة إلى انتقال سوري واضح، واقعي، وشفاف، ضمن مسار سياسي شامل. وهذا مهم لأن الشعب، حين يمر بمرحلة انتقالية صعبة، لا يرفض الدولة من حيث المبدأ، بل يطلب أن يفهم كيف تُدار المرحلة: ما الأولويات؟ ما التسلسل؟ ما الموارد؟ وما الثمن الاجتماعي لكل قرار؟
وهنا تظهر المقارنة المفيدة مع سنغافورة. فنجاحها لم يكن نتيجة وفرة الموارد، بل نتيجة وضوح الأولويات، وسرعة بناء المؤسسات، وربط التعليم بالاقتصاد، وخلق مناخ ثقة بين الدولة والمجتمع. وفي الحالة السورية، يمكن صياغة المعادلة نفسها بلغة مختلفة: لا يمكن للدولة أن تنجح فقط عبر إدارة اليوم؛ يجب أن تُعدّ الغد، وأن تعتبر الطفل السوري مشروع مواطن منتج بعد عشر أو عشرين سنة. من هنا تأتي أهمية “تثمين العقول” منذ السنوات الأولى، عبر التعليم الأساسي، والتكوين المهني، والعلوم، واللغة، والرقمنة، والمهارات المدنية.
ولا يعني هذا تجاهل الواقع السوري المعقد. فالتحديات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى الضغوط الخارجية، تجعل أي مسار إصلاحي هشّاً وحساساً. لكن هذا بالضبط ما يجعل الدرس السنغافوري مفيداً: الدول الصغيرة أو الضعيفة لا تنتظر الظروف المثالية، بل تبني داخل الضعف نفسه قدرةً جديدة على التنظيم. وعندما تكون الدولة تحت ضغط داخلي وخارجي، تصبح الشفافية أكثر ضرورة، لأن الغموض يضعف الثقة، والثقة هي أساس أي انتقال سلمي.
إن المطلوب في سوريا ليس أن تصبح نسخة من سنغافورة، فهذا غير ممكن ولا ضروري. المطلوب هو أن تستفيد من المنطق الذي جعل سنغافورة تنجح: الإنسان أولاً، التعليم أولاً، المؤسسات أولاً، ثم الاقتصاد. وفي بلد لا يملك ثروات طبيعية كبيرة، يصبح الرهان على العقول هو الرهان الأكثر عقلانية. ولهذا فإن أي حكومة انتقالية تحتاج إلى رسالة واضحة: نحن لا نطلب من الناس الصبر فقط، بل نعرض عليهم خطة قابلة للقياس، تبدأ بالطفولة وتنتهي ببناء اقتصاد منتج، وعدالة مؤسساتية، ومجتمع متماسك.
في النهاية، تُظهر تجربة سنغافورة أن الفقر في الموارد لا يعني الفقر في المستقبل. وتُظهر الحالة السورية أن الخروج من الحرب لا يتم بالشعارات، بل عبر رؤية طويلة المدى توازن بين الاستقرار والشفافية والتعليم وبناء الثقة. وإذا كان على سوريا أن تنهض من جديد، فإن أفضل استثمار يمكن أن تبدأ به هو الإنسان: تعليمه، تأهيله، وحمايته، ليصبح هو نفسه قوة إعادة البناء من جيل إلى جيل.
المصادر الأساسية
Singapour
https://www.singapourlemag.com/grand-angle/raffles-un-visionnaire-et-un-colon-aventurier/
https://books.openedition.org/iheid/1808?lang=fr
https://www.senat.fr/rap/r00-248/r00-2481.pdf
https://cnes.fr/geoimage/singapour-tete-merlion-perpetuelle-transformation
https://www.tresor.economie.gouv.fr/Articles/2025/07/07/situation-economique-et-financiere-de-singapour
Syrie / transition
https://theconversation.com/la-syrie-en-transition-mais-quelle-transition-254323
https://news.un.org/fr/story/2026/03/1158555
https://news.un.org/en/story/2025/04/1162621
https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/joint-statement-syria-14-february-2025
ONU / cadre politique
https://www.un.org/en/syria
https://undocs.org/S/RES/2254(2015)